محمد أبو زهرة
1254
زهرة التفاسير
وثانيها : أن الدعوة بالتي هي أحسن توجب على الداعي ألا يفرط في المجادلة ، كما كان يقول الإمام مالك : بيّن الحق ولا تجادل فيه ، فإن كل مجادلة توجب على الفريق الآخر أن يلتزم موقفه . ثالثها : أنه يجب أن تعلم الذرية والنساء شؤون الدين ؛ ولذلك كانوا مشتركين في تلك المنازلة بين الحق والباطل وهذه المعركة النفسية الفاصلة بين إيمان المؤمنين ، وانحراف المنحرفين . ورابعها : التعاون الفكري والنفسي بين المؤمنين ؛ فإن تلك المباهلة كانت بين أهل الإيمان متعاونين على دعوة الحق ، وأهل الباطل مدعوين إلى التعاون عليه فيها إن كانوا مؤمنين به ، فلم يحيروا جوابا . ولقد أكد سبحانه وتعالى صدق ما أخبر به عن عيسى عليه السلام فقال تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ أي إن هذا الذي أخبرت هو القصص الثابت الذي لا مجال فيه لإنكار منكر ، ولا لتشكيك متشكك ، وقد أكد سبحانه صدق القصص في تلك الجملة السامية بأربعة مؤكدات هي : إنّ ، فهي للتوكيد ، واللام في قوله تعالى : لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وضمير الفصل ، والقصر الذي تضمنه تعريف الطرفين ؛ إذ المعنى فيه أن ما أخبرت به في شأن عيسى عليه السلام هو وحده الخبر الحق ، ولا حق في سواه ، بل ما عندهم ترهات وأباطيل . وإن هذا الخبر يتضمن في ذاته أن المسيح عيسى عليه السلام ليس إلها ولا ابن إله ، وأنه عبد اللّه ورسوله الأمين ، وأنه من أولى العزم من الرسل ، وأن الألوهية الحق هي للّه تعالى وحده ؛ ولذا صرح بهذا عقب تأكيده القصص الحق ، فقال تعالى : وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ : هذا نفى باتّ قاطع للألوهية من غير اللّه تعالى ، وإثبات الألوهية للّه وحده ، وقد أكد النفي بكلمة « من » فهي تفيد استغراق النفي استغراقا مستمرا ثابتا مؤكدا ، وفي النفي والإثبات تأكيد لمعنى المستثنى أبلغ تأكيد ، وإن هذا النفي فيه رد بالغ على النصارى الذين ادعوا ألوهية للمسيح عليه السلام .